مجمع البحوث الاسلامية
513
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ثلاثة أشياء ، وذكرها على ترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأنّ الكتاب السّماويّ ينزل أوّلا ، ثمّ يحصل في عقل النّبيّ فهم ذلك الكتاب ، وإليه الإشارة بالحكم ، فإنّ أهل اللّغة والتّفسير اتّفقوا على أنّ هذا الحكم هو العلم ، قال تعالى : ( 68 ) : وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا يعني العلم والفهم ، ثمّ إذا حصل فهم الكتاب فحينئذ يبلغ ذلك إلى الخلق ، وهو النّبوّة ، فما أحسن هذا التّرتيب ؟ » وقال في موضع آخر : « واعلم أنّ العطف يوجب المغايرة ، فهذه الألفاظ الثّلاثة لا بدّ وأن تدلّ على أمور ثلاثة متغايرة » ، ثمّ ذكر أنّ الحكّام على النّاس ثلاث طوائف : 1 - الّذين يحكمون على بواطن النّاس وأرواحهم وهم العلماء . 2 - الّذين يحكمون على ظواهر الخلق ، وهم السّلاطين . 3 - الأنبياء الّذين يحكمون بما آتاهم اللّه من العلوم والمعارف على بواطن الخلق وظواهرهم ، فهم الحكّام على الإطلاق . ثمّ حمل ( الكتاب ) على العلم الكثير ، و ( الحكم ) على أنّهم حكّام على النّاس نافذي الحكم ظاهرا ، ولم يذكر النّبوّة ، ثمّ قال : « وللنّاس في هذه الألفاظ الثّلاثة تفسيرات كثيرة ، والمختار عندنا ما ذكرناه » . وعندنا أنّ كلامه الأوّل أمثل وأقرب إلى الصّواب . ثمّ إنّ له كلاما طويلا بين العلم والحكم أورده في تفسير آية يوسف ( 64 ) آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً ، يخالف كلامه الأوّل ، فلاحظ . 4 - المراد بالحكم في هذه الآيات الحكمة الإلهيّة الخاصّة بالأنبياء ، كما أنّ المراد بالعلم فيها وفي أمثالها أيضا العلم الموهوب لهم ، من غير فرق بينهم . وليس المراد به القضاء الّذي ادّعى رشيد رضا أنّه خاصّ ببعض الأنبياء . وردّ عليه سيّد قطب ، فلاحظ . 5 - وقد قورن الحكم والنّبوّة بالكتاب في ثلاث منها ( 61 - 63 ) كما قورن الحكمة به - كما يأتي في ( 76 ) إلى ( 84 ) - وهذا شاهد على أنّ مفاهيم هذه الألفاظ جميعا من مميّزات الأنبياء عليهم السّلام . 6 - اختصّت الآية ( 71 ) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا ، بنبيّنا صلوات اللّه عليه وآله ، حيث نزل القرآن عليه بلسان عربيّ مبين ، فنصّ اللّه على لسانه تشريفا له ، دون غيره من الأنبياء ، سوى قوله : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ إبراهيم : 4 ، كما اختصّت الآية ( 68 ) ب ( يحيى ) عليه السّلام وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ، والآية ( 64 ) ب ( يوسف ) عليه السّلام وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً ، وقد خصّت الآيتان ( 67 ) و ( 69 ) ب ( موسى ) عليه السّلام فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً و وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً ، وزاد فيها : ( وَاسْتَوى ) ، ولعلّه من أجل أنّ مسؤوليّته أمام فرعون وقومه ، ثمّ أمام بني إسرائيل قومه الّذين عصوه ، كانت أصعب وأشقّ من مسؤوليّة يوسف أمام فرعون ، وهذا جاء في توصيف اللّه إيّاه إكراما له ، ولم يأت في توصيفه هو نفسه تواضعا .